السيد محمد تقي المدرسي
272
من هدى القرآن
مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ فلما رأى سليمان عرش بلقيس أمامه ، قال : إن إحضار العرش لم يتم بقوة مادية أو أرضية ، ثم إن نعم الله على المرء ليست دليلا على سلامة النية بل إنها ابتلاء ، فسلامة الجسم والغنى والأمان كلها نعم للابتلاء ، واختبار الإرادة ، والفتنة ، فلا ينبغي للمرء أن يغتر بها ، إنما يجب أن يؤدي حقها بشكرها . وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومن شكر نعم الله ، فإن فائدة الشكر تعود عليه . وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ فلو أن جميع العالم كفر بالله ، فإنه لا يضره من كفرهم شيئا ، وتبقى رحمته تسعهم ، ويظل يلطف بالكافرين ، ويعطيهم الفرصة بعد الأخرى ، لأن رحمته وسعت كل شيء . [ 41 ] قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ أي غيروا شكل عرشها ومظهره حتى يبدو مختلفا لنختبر عقلها ، ونتعرف على طبيعتها ، ونهديها إلى الحق والرسالة . [ 42 ] فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وعندما جاءت بلقيس سئلت عن السرير الذي أتى به آصف بن برخيا ، وهل يشبه سرير ملكها ، فقالت : كأنه هو بعينه وهو جواب حصيف يكشف عن عقل متأمل ومتروي ، ثم يقول سليمان : أنه تفوق على هذه المرأة بدرجتين : العلم وهي خلو منه ، والإيمان وهي تفقده ، وأساس الملك هو العلم المقرون بالإيمان . [ 43 ] وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ إن بلقيس كانت كافرة على دين آبائها وقومها ، ولذلك عبدت الشمس والنجوم ، ولم تعبد الله الذي خلقهن ، وضربت تلك العبادة الخاطئة بينها وبين العلم حجابا منعها عن معرفة الله التي هي أول العلم ، ومساق الآية شبيه بالاعتذار لبلقيس ، فلم يكن كغيرها عناداً بل غفلة بسبب البيئة الكافرة . [ 44 ] قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ، الصَّرْحَ : القصر الكبير الواسع ، حَسِبَتْهُ لُجَّةً : أي مياه عميقة ، ورفعت ذيل ثيابها لئلا تبتل حين تخوض فيه . قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ، مُمَرَّدٌ : مستوي ، وهي لفظة مأخوذة من الأمرد ، والأمرد الذي ليس عليه شعر ، وبلغت الأرض الزجاجية حدا من الاستواء بحيث لا يبدو فيها أثر للتعرج ، ويبدو أن الزجاج كان معروف الصناعة على عهد سليمان عليه السلام وكانت صناعته متقدمة كالكثير من الصناعات الأخرى .